الموت الرحيم في أمريكا.. معركة حقوقية بين الاستقلال الجسدي وحدود حماية الحياة
انضمام "نيويورك" إلى 12 ولاية أخرى تسمح به
تُعيدُ قضية الموت الرحيم رسم النقاش الحقوقي حول حدود سلطة الفرد في تقرير مصيره الجسدي، بعدما تحولت التشريعات المرتبطة بالمساعدة الطبية على إنهاء الحياة إلى اختبار مباشر للتوازن بين الحق في الكرامة الإنسانية والالتزام بحماية الحياة، في ظل توسّع تشريعي متسارع داخل الولايات المتحدة.
تُجسدُ قصة باتريشيا آن كورتني التي توفيت بمرض التصلب الجانبي الضموري، البعد الإنساني للنقاش الدائر حول حق الموت الرحيم، إذ تحوّلت معاناتها الصحية إلى نموذج يُستشهد به في الجدل حول الحق في إنهاء الألم المرتبط بالأمراض المستعصية، وفقاً لمجلة "الإيكونوميست".
تستذكر حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوتشول تجربة والدتها، مشيرة إلى صعوبة مشاهدة شخص عزيز يعاني دون القدرة على إيقاف ألمه، في طرح يعكس البعد العاطفي والحقوقي المرتبط بحق المرضى في تقرير مصيرهم الطبي.
وتكشفُ البيانات الطبية أن الأمراض العصبية، وعلى رأسها التصلب الجانبي الضموري، تُعد ثاني أكثر الحالات التي تدفع المرضى الأمريكيين إلى طلب المساعدة الطبية على الموت، ما يعكس ارتباط القضية مباشرة بحق المرضى في العلاج التلطيفي والعيش بكرامة في المراحل النهائية من المرض.
وتشيرُ التطورات التشريعية إلى احتمال انضمام ولاية نيويورك إلى اثنتي عشرة ولاية أمريكية أخرى، إضافة إلى العاصمة واشنطن، تسمح قوانينها بالمساعدة الطبية على الموت، وهو توسع تشريعي متسارع يعكس تحوّلًا في مفهوم الحقوق الصحية داخل الولايات المتحدة.
وبنهاية عام 2025 قد يعيش أكثر من 30% من الأمريكيين في ولايات تسمح للأطباء بوصف أدوية تؤدي إلى الموت الرحيم، بحسب ما أوردته "الإيكونوميست".
تعكسُ استطلاعات الرأي تغيرًا واضحًا في المواقف المجتمعية، إذ يرى أكثر من نصف الأمريكيين أن الانتحار بمساعدة طبية مقبول أخلاقيًا، في حين ترتفع النسبة إلى نحو الثلثين عندما يتعلق الأمر بمرضى يعانون آلامًا شديدة لا أمل في شفائها، وهو تحول يعكس تصاعد النقاش حول مفهوم الاستقلالية الجسدية باعتباره أحد ركائز الحقوق الفردية.
ضوابط قانونية
تعتمدُ القوانين الأمريكية إطارًا تنظيميًا صارمًا للموت الرحيم مقارنة ببعض الدول الغربية مثل كندا وهولندا، إذ تشترط التشريعات الأمريكية عادة أن يكون المريض مصابًا بمرض عضال يُتوقع أن يؤدي إلى الوفاة خلال ستة أشهر، وأن يؤكد التشخيص طبيبان مستقلان، مع اشتراط أن يكون المريض بكامل قواه العقلية، وأن يطلب الدواء بنفسه ويتناوله بنفسه دون تدخل الطبيب المباشر.
توضحُ أستاذة جامعة روتجرز إليسا كوزلوف أن نسبة الوفيات الناتجة عن الانتحار بمساعدة طبية في الولايات التي تسمح به لا تجاوز 1% من إجمالي الوفيات، ما يشير إلى أن هذه الممارسة ما تزال محدودة الانتشار رغم توسعها التشريعي.
تضيفُ ولاية نيويورك قيودًا إضافية تهدف إلى تعزيز الضمانات القانونية، إذ يشترط مشروع القانون تأكيد السلامة العقلية للمريض من قبل طبيب نفسي أو أخصائي علم نفس، إضافة إلى ضرورة تصوير طلب المريض وإنهاء الإجراءات بحضور شاهدين، وهي شروط جاءت نتيجة مفاوضات سياسية وتشريعية هدفت إلى تعزيز حماية المرضى ومنع إساءة استخدام القانون.
وتكشفُ هذه الضوابط عن محاولة تحقيق توازن بين احترام إرادة المريض وضمان عدم تعرضه لضغوط نفسية أو اجتماعية قد تدفعه إلى اتخاذ قرار إنهاء حياته، في إطار حقوقي يعكس التداخل بين حماية الكرامة الإنسانية وواجب الدولة في صون الحياة.
صراع سياسي وأخلاقي
يشهدُ مشروع قانون الموت الرحيم في نيويورك انقسامًا سياسيًا واضحًا، بعدما صوّت مجلس شيوخ الولاية لمصلحة المشروع بأغلبية 35 صوتًا مقابل 27 صوتًا معارضًا، قبل إحالته إلى حاكمة الولاية للنظر في التصديق عليه، وفق ما أوردته "نيويورك تايمز".
أكد عضو مجلس الشيوخ براد هويلمان-سيغال، أحد رعاة المشروع، أن التشريع لا يستهدف إنهاء حياة المرضى، بل يهدف إلى تقصير فترة المعاناة عندما تصبح غير محتملة، في طرح يعكس توجهًا حقوقيًا يركز على الاستقلالية الفردية والتحكم في الجسد.
تشترطُ التشريعات المقترحة أن يقتصر تطبيق القانون على المرضى المصابين بأمراض لا أمل في شفائها ممن يُتوقع وفاتهم خلال ستة أشهر، مع ضرورة الحصول على موافقة شاهدين لا تربطهما أي مصلحة مالية بوفاة المريض، وهو إطار قانوني يستهدف منع الاستغلال المالي أو العائلي للمرضى.
تكشفُ التجارب الشخصية للمشرعين عن تأثير العامل الإنساني في تمرير التشريعات، إذ دفعت تجربة وفاة شقيقة رئيسة لجنة الصحة في الجمعية التشريعية آمي بولين بعد معاناة مع السرطان إلى تقديم مشروع القانون قبل عشرة أعوام، معتبرة أن التشريع يمنح المرضى راحة نفسية ويتيح للعائلات فرصة توديع أحبائها بسلام.
تُظهرُ حملات الضغط التي قادتها منظمات مناصرة مثل "التعاطف والخيارات" أن مئات المرضى وأفراد أسرهم شاركوا في جهود تشريعية استمرت سنوات، في حين توفي 28 مريضًا من المشاركين في الحملة أثناء مناقشة القانون، في مشهد يعكس البعد الإنساني والحقوقي المرتبط بالقضية.
معارضة دينية وحقوقية
تُعارضُ جماعات دينية عدة تشريعات الموت الرحيم، إذ حذّر بابا الفاتيكان السابق البابا فرنسيس من "العبث بالحياة"، مؤكدًا ضرورة احترام الحياة في بدايتها ونهايتها، في موقف يعكس رؤية أخلاقية تعد تقنين المساعدة على الموت قد يفتح الباب أمام سياسات تبرر إنهاء الحياة بدوافع إنسانية.
وتُبدي منظمات تمثل ذوي الإعاقة مخاوف من أن تؤدي هذه القوانين إلى ممارسة ضغوط غير مباشرة على المرضى لاختيار الموت لتخفيف عبء الرعاية، محذرة من إمكانية استخدام التشريعات وسيلة لتقليل تكاليف الرعاية الصحية في أنظمة تعتمد على الربحية.
كما تحذرُ منظمات حقوقية من احتمال توسّع نطاق هذه القوانين مستقبلًا ليشمل فئات أكثر هشاشة، مثل المرضى النفسيين أو الحالات غير المستعصية، وهو سيناريو يشكل أحد أبرز المخاوف المرتبطة بتشريعات الموت الرحيم.
وتُظهرُ التجارب الدولية استمرار الجدل ذاته، إذ يناقش البرلمان الفرنسي مقترحات قد تسمح بالمساعدة الفعالة على الموت للبالغين المصابين بأمراض مستعصية، ضمن مشروع يسعى إلى تطوير ما يُعرف بالنموذج الفرنسي لنهاية الحياة، في وقت تسعى فيه الحكومة الفرنسية إلى وضع خطة وطنية طويلة الأمد لتعزيز الرعاية التلطيفية.
ووفقاً لمجلة "الإيكونوميست"، يؤيد أكثر من ثلثي البريطانيين تغيير القانون للسماح لشخص ما بالمساعدة في انتحار شخص مصاب بمرض عضال، وتتمتع المساعدة على الموت بفرصة جيدة للدخول في كتاب القوانين في المستقبل القريب.
الاستقلالية الجسدية
تكشفُ التطورات التشريعية في الولايات المتحدة وأوروبا عن تحوّل عالمي في النقاش حول مفهوم الكرامة الإنسانية في نهاية الحياة، حيث تتداخل حقوق الاستقلال الجسدي مع واجبات الدولة في حماية الحياة ومنع إساءة استخدام السلطة الطبية.
تُبرزُ قضية الموت الرحيم التوتر المستمر بين مبدأ حرية الفرد في اتخاذ قراراته الصحية وبين القيم الاجتماعية والدينية التي تعد الحياة حقًا مطلقًا لا يجوز المساس به، وهو توتر يعكس صعوبة التوصل إلى إطار قانوني يوازن بين هذين المبدأين.
تشيرُ المعطيات الحالية إلى أن توسع تشريعات الموت الرحيم سيظل مرتبطًا بنقاشات أخلاقية وقانونية معقدة، خاصة مع استمرار الضغوط المجتمعية والسياسية لتوسيع أو تقييد هذه القوانين.
وتعكسُ هذه القضية تحولًا عميقًا في مفهوم الحقوق الصحية، حيث لم يعد النقاش مقتصرًا على الحق في العلاج، بل امتد ليشمل الحق في إنهاء المعاناة، في واحدة من أكثر القضايا الحقوقية إثارة للجدل في العصر الحديث.










